حيدر حب الله

22

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

5 - 2 - إضفاء مفهوم العذاب على الفُرقة والتناحر تشير الآية الثالثة المتقدّمة إلى أنّ أنواع العذاب الإلهي متعدّد ، وأن واحداً منها جعل الأمة على شيع وأحزاب يقاتل بعضها بعضاً ، ويبطش بعضها ببعض ، وهذا معناه أنّ الفرقة والافتراق نحوٌ من العذاب الإلهي الذي ينزل بالناس ، وطبيعيّ أن الآية لا تعني أن كل فُرقة كذلك ، بل أقصى ما تدلّ عليه أن بعض أنواع العذاب قد يكون في فُرقة الأمة ومحاربة بعضها بعضاً ، وهذا خير دليل على أنّ القرآن يرى الاختلاف والتقاتل والتصارع الداخلي مظهراً من المظاهر التي قد تكون عذاباً إلهيّاً ، فما أشدّ دلالة هذه الآية على رفض الفُرقة ونبذ التنازع والتخاصم . والجميل في تعبيرات هذه الآية أنّها لمّا تحدّثت عن العذاب الفوقي والسفلي ، أي من الفوق ومن تحت الأرجل ، جعلت الثالث هو الفُرقة والتصارع ، وكأنّ في هذا التعبير إشارة إلى أنّ الفتنة الداخليّة بين الأمة عذابٌ يكون بين يديها ، وكأنّ مبرّراته وعناصره تحت سيطرتها ، ولم يأتِ من الأعلى ولا جاء من الأسفل من حيث لا يدرك الناس ذلك ، وهو ما فيه إشارة إلى الدور البشري في إنتاج العذاب الثالث الذي تعطيه الآية . 6 - 2 - حالة التشظّي ووهم المكاسب الجزئية من أروع التعابير في هذه المجموعة من الآيات ، قوله تعالى : ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ، فهذه الآية تشير إلى واقع يعيشه المجتمع في ظلّ حالة الانقسام عادةً ، وهي أن كل فريق يعيش في حالة غفلة ونشوة بما يراه من انتصارات له ومكاسب يحقّقها على الفريق الآخر أو لنفسه هنا أو هناك ، فيفرح بما يراه مكسباً ، وينتشي بما يحقّقه من معطيات جزئية ، وهو غافل عن القضايا الكبرى ، وغافل عن